السيد حيدر الآملي
224
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
--> عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ [ سورة الجنّ ، 24 ، 27 ] . وقالوا : نحن العلماء وشيعتنا المتعلّمون ، إذ كلّهم محمّد ، أوّلهم محمّد وآخرهم محمّد ، وأوسطهم محمّد ( ص ) ، ولمّا كان الشيء الواحد له أطوار وأحوال قال تعالى : ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً [ سورة نوح ، 13 ، 14 ] . طور الإجمال ، وطور التفصيل ، وطور البساطة ، وطور التركيب ، وطور التصوير ، وطور التجريد ، كما قال عزّ وجل : وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا [ سورة يونس ، الآية : 19 ] . وعرفوا كلّ هذه الأطوار وما تقتضيه الأوطار في عالم الأنوار بتعليم الأئمّة الأطهار ( ع ) صار لا يشتبه عليهم شيء في مقام الاختلاف والكثرة وعدم الائتلاف ، فيعطون كلّ ذي حقّ حقّه من الأحكام وإن ظهر بألف طور مختلف إذ عرفوا اللطيفة السارية في المجموع الواحدة . فلا يحصل عندهم تعارض ولا تناقض ولا تضادّ لا في الأكوان ولا في الصفات ، ولا في الألفاظ والعبارات ، ولا في أخبار سادة البريّات ، ولا في الآيات من المحكمات والمتشابهات ، فهم مطمئنّو القلب ، باردو الفؤاد ، بالغو المراد ، يعرفون الغريب من القريب ، ويأخذون النصيب من المعلّى والرقيب ، فلا يحتاجون إلى طرح الأخبار ولا إلى اختلاف الأنظار ، وهم الّذين قال اللّه تعالى فيهم : فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ [ سورة البقرة ، الآية : 213 ] . لأنّ أهل البيت ( ع ) علماء ، حكماء ، عارفون بمواقع الكلام ، ولحن الخطاب ، ولم يتكلّموا بشيء إلّا جعلوا فيه من تسديدهم قرينة تنفيه أو تثبته ، وإلّا لم يكونوا حجّة بالغة . إلى أن قال : وهؤلاء تلقّوا هذه الخطبة وأشباهها من الخطب والأخبار بالقبول وعرفوها وبيّنوها على ما فهموا من كلمات آل الرسول ( ع ) كما نبيّن إن شاء اللّه في خلال الشرح وقال في ردّ الأقوال الثلاثة : وأمّا الطائفة الأولى الذين طرحوا هذه الخطبة وشبهها من الأخبار ، وأسقطوها عن الاعتبار ونسبوها إلى الغلاة والمفوّضة وغيرهم من الأشرار فأخطأوا جدّا واستعجلوا كثيرا ، أمّا دعواهم بأنّها من أخبار الآحاد فليس بصحيح لأنّها فوق الاستفاضة بل لا يبعد تواترها معنى لكثرة تكرّرها ، وورودها في الكتب في مواضع عديدة والأدعية المأثورة ، سيّما في دعاء رجب المرويّ عن القائم ( ع ) على ما رواه الشيخ في المصباح ، والزيارات سيّما الزيارة الرجبيّة ، والزيارة الخارجة عن الناحية المقدّسة للحجّة ( ع ) ، سلام على آل يس ، وزيارات أمير المؤمنين ، وشيوع أنّهم يد اللّه وعين اللّه ولسان اللّه ، وأذن اللّه ، والزيارة الجامعة ، وأحاديث خلق أنوارهم قبل الخلق وأمثالها من الأمور الّتي لا يشكون ولا يختلفون في صحّتها ، إلى أن قال : وطرح الأخبار الكثيرة لعدم المعرفة والبصيرة ليس من شأن المؤمنين الممتحنين ، ولو سلّمنا أنّها من أخبار الآحاد نقول : إنّ الخبر الواحد إذا طابق العقل الصحيح الصريح وجب القول به والعمل عليه ، وكذلك هذه الأخبار فإنّ الأدلّة العقليّة القطعيّة دالّة على مضامينها ومدلولاتها ، بل لا يستقيم